محمد بن عمر التونسي
249
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
الفصل الثاني « 1 » في الخصيان المعروفين في مصر بالطواشية لما كان الحقّ سبحانه وتعالى غيورا على عباده ومحارمه ، منتقما ممّن تعدّى حدوده بارتكاب مآثمه ، وكانت الغيرة وصفا من أوصافه ، ولذا حرّم الظّلم على نفسه وخلافه ، جعل الغيرة مركوزة في طباع بني آدم ، من زمن سلف وتقادم . وأوّل من غار قابيل على أخته إقليما ، لمّا أمر آدم أن يزوّجها من هابيل ويزوّجه من أخته ذميما . فكان من الغيرة من أمرهما ما كان ، وقتل قابيل أخاه كما ورد بنصّ القرآن . بل قد توجد الغيرة في غير بني آدم من الحيوانات ، فيغير « 2 » الحيوان على أنثاه وتحصل المعاركات ، سيّما والنّساء أكثر شبقا وغلمة ، ولا مروءة تمنعهنّ ولا همّة . وكان بعض الناس بلغ في الغيرة أعلاها ، وارتقى إلى منتهاها ، حتى إنّ بعضهم لا يرون النساء إلا كالإماء ، ومنهم من هو كثير الغيرة ، حتّى من الإخوان والأبناء . بل منهم من بالغ في الغيرة ، فصار يغار عليهنّ من اللّيل والنّهار ، ومنهم من يغار من عيون
--> ( 1 ) في الأصل : فصل . ( 2 ) المضارع من غار ، في الفصحى : يغار ، وفي العامية : يغير كما استعمله المؤلف هنا ، إلى جانب استعماله للصيغة الفصحى بعد عدة أسطر حيث يقول : « فصار يغار عليهن » ، ولعله أراد التفرقة في اللفظ بين غيرة الانسان وغيرة الحيوان فاستعمل للانسان صيغة : يغار ، وللحيوان صيغة : يغير .